التحول من بائع متجول إلى تاجر رأسماليّ

علامة لمحل فاعور وإخوانه شارع واشنطن 63.
علامة لمحل فاعور وإخوانه شارع واشنطن 63.

العمل

حكت معظم القصص الكلاسيكية عن المهاجر السّوري (معظم القصص تحدثت عن الرجل)، وكيف تحوّل من بائع متجول فقير إلى تاجر رأسمالي غنيّ. ومثل كل الأساطير، تتضمن هذه القصة بعضًا من الحقيقة وكثيرًا من المبالغة. فمعظم المهاجرين الجدد، بما فيهم العديد من النساء، عملوا كبائعين متجولين أولًا، لكن بعضم عمل في مصانع أو مطاحن في المنطقة الشمالية الشرقية. وباع التجار المتجولون متفرقات "كيشا" مثل البضائع الجافة والأقمشة الصّغيرة وأدوات لتناول الطعام، أي شيء يُمكن حمله في حقيبة أو سلة والتنقل به من منزل لآخر. وعلى الرّغم من اعتمادهم على الموردين السّوريين للحصول على المال والبضائع وللاستدلال على الطرق وحتى المنازل التي عاشوا فيها، كان التجار المتجولون يعملون لحسابهم الخاص وجنوا معظم أرباحهم نتيجة جهودهم ومهارتهم.

 فالسّوريون الذين تحولوا إلى تجار كانوا يتجولون في الشوارع سابقًا. وتوقفت المرأة عادة عن العمل عند زواجها، واهتمت بتربية العائلة، لكن بعض النساء استمرين في العمل من خلال إدارة محل صغير أو العمل في صنع.

ويُمكن للرجل أن يفتح متجرًا صغيرًا لبيع الجملة أو العمل كمورد أو بائع للجملة أو مصدّر للبضائع الجافة والأقمشة والبقالة أو البضائع التركية أو الدينية. حتّى أن البعض افتتح مصانعًا صغيرة للقطنيات، وبعضهم عمل في صناعة السّجائر والمرايا والفراشي والحمالات. لكن لم يعمل الجميع في التجارة، فالأطباء والصّيادلة والمصرفيين وأصحاب المطاعم ورجال الصّحافة والشعراء والمؤلفين والموسيقيين عاشوا جميعهم في المستوطنة، وعملوا فيها. 

بشارة الفرزلي بعمر الثانية عشرة يتجول في ورسستر، ماساتشوستس عام 1898.
بشارة الفرزلي بعمر الثانية عشرة يتجول في ورسستر، ماساتشوستس عام 1898.
امرأة سورية تحمل سلة التجوال في مدينة نيويورك، عام 1896
امرأة سورية تحمل سلة التجوال في مدينة نيويورك، عام 1896
يصف جو سفلاك مجتمع الأعمال السوري. مقتطف من وثائق "The Sacred" لأوزجي دوجان، عام 2012.
إعلان لسليم إلياس عام 1899
إعلان لسليم إلياس عام 1899
عمل السّوريون كتجار بشكل أساسي، لكن عند وصولهم، عملوا كباعة متجولين، فتطلب التجول رأس مال محدود (حصلوا على سلع بالدين)، وقليل من الإنجليزية، وكان كل بائع متجول يعمل لحسابه الخاص. قسّم السّوريون المتجولين إلى نوعين: بائعي الكشة (المتفرقات الصغيرة) وبائعي الجزدان الحرير. وتضمنت الكشة بعض البضائع الصّغيرة الجافة مثل الشفرات وطوق السليلويد والياقات والأصفاد القابلة للفصل والإبرة والخيط ومناشف المطبخ وأربطة الحذاء وكذلك بعض حلى الأرض المقدسة مثل المسابح. وباعت النساء من قسم الكشة الأطواق وأساور من الدانتيل ولوازم خياطة ومجوهرات رخيصة وعطر وصابون وحلي الأرض المقدسة.

طور الباعة المتجولون من قسم جزدان حرير، فحملوا بضائع فاخرة أو تركية، مثل المطرزات والأقمشة الدمشقية والمنسوجات والأربطة والأشياء الغريبة الصغيرة مثل الخناجر الدمشقية. وعند التوقف في فنادق المنتجعات حول ولاية نيويورك، باعت "سيدات الطريق" سلعًا فاخرة لنزلاء الفندق الآخرين. كان الباعة المتجولون يتنقلون من منزل إلى باب في جزء راقٍ من المدينة خلال النهار ويعودون إلى منازلهم ليلاً، لكن الباعة المتجولين لمسافات طويلة يغادرون المدينة لأسابيع حاملين ما في وسعهم، على أن يحصلوا على مخزون جديد من موّردهم في نيويورك في مستودع السّكك الحديدية المحلية.

في معظم الأحيان، استمر الرجال الذين أصبحوا موردين ببيع نفس الأغراض التي باعوها سابقًا، ولكن على نطاق أوسع، فلم يقتصر عملهم مع التجار السوريين فقط بل مع تجار التجزئة أيضًا في جميع أنحاء المدينة. واستخدم تجار الاستيراد والتصدير شبكة عالمية من جهات الاتصال السورية لاستيراد البياضات والسلع التركية من الشرق الأوسط وأوروبا وتصدير البضائع الأمريكية إلى أمريكا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي أو أوروبا. وفي المبنى المكون من خمسة طوابق في شارع واشنطن 60-62، أنتجت ورش العمل السورية سلعًا قطنية، مثل الكيمونو القطني الذي ترتديه ملايين النساء كفساتين بالإضافة إلى الحمالات والسجائر والفرش.

أمّا الرجال الأقل طموحًا، فقد أنشأوا متاجر صغيرة للبيع بالتجزئة لخدمة السوريين الآخرين بشكل أساسي، كمحلات البقالة ومحلات الحلاقة وقاعات البلياردو والمنازل الداخلية والمطاعم.

لم يكن هناك نقص في المهنيين حتى في بدايات المستوطنة. فاعتنى عدد من الأطباء وعدد من الصيادلة وثلاث قابلات بمعظم الاحتياجات الصحية للمجتمع. وافتتح جورج فورزلي أول بنك عربي في عام 1897، لكنه انهار بعد ذلك بعامين فقط. لكن البنك الثاني، بنك فاعور في شارع واشنطن 81-85، استمر من عام 1906 حتى الكساد.

أكثر الذين أجادوا اللغة الإنجليزية كسبوا المال من خلال إلقاء محاضرات في الكنائس وجمعية الشبان المسيحيين وقاعات الحفلات الموسيقية في جميع أنحاء البلاد. أمّا من امتلك حسًا أدبيًا، فأسس صحيفة وطبع كتبًا تُباع بالاشتراك وقدّم طباعة تجارية لزيادة مردوده. وعملت مجموعة من الأطباء، وحاز معظمهم شهادات طبية من الكلية البروتستانتية.
 

مطعم ونُزُل طنوس شيشيم عام 1897.
مطعم ونُزُل طنوس شيشيم عام 1897.
داخل محل سحادي للبقالة، شارع واشنطن 92، عام 1899. نيويورك تايمز، 20 أغسطس 1899.
داخل محل سحادي للبقالة، شارع واشنطن 92، عام 1899. نيويورك تايمز، 20 أغسطس 1899.
في عام 1895، افتتح إبراهيم سحادي شركة إبراهيم سحادي وشركائه في شارع واشنطن، ثم انتقل المتجر إلى شارع أتلانتيك في بروكلين عام 1948.(مؤسسة جيمس بيرد، عام 2017).
بقالة رحال وأكيل، شارع واشنطن 71، عام 1904.
بقالة رحال وأكيل، شارع واشنطن 71، عام 1904.
أول بنك عربي في شارع واشنطن 103، عام 1897.
أول بنك عربي في شارع واشنطن 103، عام 1897.
 شارع واشنطن 60-62، حيث توجد عشرات الشركات التي يملكها لسوريين، عام 1903.
شارع واشنطن 60-62، حيث توجد عشرات الشركات التي يملكها لسوريين، عام 1903.