في بداياتهم، عمل معظمهم كباعة متجولين في الشوارع، لكن بحلول عام 1900، أصبح شارع واشنطن يضم متاجر ومصانع ومطاعم يملكها سوريون، إضافة إلى أربع كنائس صغيرة، ومدرسة سورية لتعليم الكبار اللغة الإنجليزية وتعريف الأطفال بالتاريخ الأمريكي، فضلاً عن نحو ست صحف باللغة العربية. وكان الموسيقيون والشعراء يحظون بمكانة مرموقة داخل المجتمع، حيث كانوا يقدمون عروضًا مرتجلة في حفلات الزفاف والتعميد والمناسبات الاجتماعية. كما كانت القصائد تُنشر بانتظام في الصحف، وبحلول أوائل القرن العشرين بدأ الكتّاب السوريون في إصدار كتب ومجلات باللغتين العربية والإنجليزية. ومن بين هؤلاء الكتّاب: إيليا أبو ماضي، نسيب عريضة، جبران خليل جبران، ندرة حداد، ميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، الذين كان لهم دور أساسي في تأسيس رابطة أدبية عُرفت باسم "الرابطة القلمية".
القلم: شعراء في الحديقة
على بُعد خطوات قليلة من ساحة إليزابيث بيرجر، نشأت أول جالية ناطقة بالعربية في الولايات المتحدة. بين عامي 1880 و1945، استقر مهاجرون من بلاد الشام الكبرى—التي كانت تضم لبنان وسوريا وفلسطين التاريخية—في شارع واشنطن الممتد بين منطقة ذا باتري وشارع ألباني. كان هذا الحي النابض بالحياة، المعروف باسم "الحي السوري" أو "سوريا الصغيرة"، موطنًا لحوالي 1,200 سوري. وعاش السكان في مساكن مزدحمة أُنشئت عبر تقسيم منازل عائلية بُنيت في أوائل القرن التاسع عشر. وكحال جيرانهم من الإيرلنديين والألمان وشرق الأوروبيين، عاش السوريون دون تمديدات مياه داخلية، وبلا تهوية أو إضاءة طبيعية كافية. ومع ذلك، لم يكتفوا بالصمود، بل ازدهرت أعمالهم وتطورت.
تأسست الرابطة لأول مرة عام 1916، ثم أُعيد تشكيلها عام 1920، وقدمت أعمالًا في القصة والشعر والفن البصري استكشفت سبلًا جديدة للهوية العربية-الأمريكية. وكان أبرز أعضائها جبران خليل جبران، صاحب كتاب "النبي" الصادر في نيويورك عام 1923. وقد أدّت كتاباتهم دورًا محوريًا في النهضة الأدبية في الشرق الأوسط، حيث ساهمت في إحداث تحول جذري في اللغة العربية، وألهمت أجيالًا لاحقة من الكتّاب في الولايات المتحدة والمنطقة العربية، كما أسهمت في ابتكار أشكال جديدة من الأدب العربي.
كما برزت أسماء أخرى في الوسط الأدبي لم تكن ضمن الرابطة، مثل عفيفة كرم، أغابيا معلوف، وعباس أبو شقرا. ومع تطور الحي المالي في نيويورك، تعرض هذا المجتمع للتهجير، حيث تم إزالة الحي خلال أربعينيات القرن العشرين بسبب إنشاء نفق بروكلين–باتري، الذي استولى على مساحات واسعة من المنطقة بموجب قوانين نزع الملكية.
قامت جمعية شارع واشنطن التاريخية بتكليف عمل فني في ساحة إليزابيث هـ. بيرجر احتفاءً بالإرث الأدبي لأول جالية ناطقة بالعربية في نيويورك. وقد تم اختيار الفنانة المغربية الفرنسية سارة أوحدو من خلال مسابقة نظمتها دائرة الشؤون الثقافية في مدينة نيويورك. صممت الفنانة منحوتة وألواحًا فسيفسائية تعرض مقتطفات من أعمال الكتّاب باستخدام أبجدية تجريدية خاصة بها. تتعامل أوحدو مع اللغة كما لو كانت عمارة، حيث تنتج أعمالًا زجاجية وفسيفسائية تُجسّد قصائد مفككة. وجاءت الأشكال الناتجة غير قابلة للقراءة عمدًا، كأنها "ترجمة غير مقروءة" لكنها تظل مفهومة على نحو كوني.
عن الفنانة
تعيش وتعمل سارة أوحدو (مواليد 1986) بين فرنسا والمغرب. وتستكشف في أعمالها العلاقة بين الحرف التقليدية العربية والممارسات الفنية المعاصرة، مساهمةً بذلك في نقاش أوسع حول دور الفن التقليدي والحِرف في الثقافة العربية اليوم.